لا نحتاج إلى ديباجة مطولة في فضل الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا الذكاء التوليدي، وسهولة استعمال أدواته، وتنوع أغراضه، وتعدد الأعمال الإبداعية الصادرة عنه من نصوصٍ قصيرة وطويلة وصور ورسومات عجيبة، ومقاطع مرئية تمزج الحاضر بالماضي والمستقبل.
لكننا نحتاج إلى منهجٍ علمي وعملي للتخفف أو الانقطاع من استعمال الذكاء في الكتابة والتحرير والمراجعة. فلا تخلو عباراته وأفكاره من ركاكة شديدة وتكرار ممل ومصانعة زائفة وتحفيز متوهم.
لست أزعم أنني أقدم منهجًا تامًا أو مسلكًا لا خفاء فيه، لكنني أشاركك تجربتي مع الذكاء وكيف تخلصت منه بعد حينٍ من الزمن.
وأبدأ بالميعاد الأول. إذ اجتمعنا إلى المدير في يومٍ من أيام ذي القعدة من عام 1444هـ. فما لبث أن أطلعنا على آلةٍ صماء تحسن توليد النصوص، وتجيب أسئلة السائلين بلا كللٍ ولا ملل. وقد تستفيض في الجواب، وتنظم الكلمات في جداول، وتقسمها إلى جملٍ وفقرات.
لم أجد سبيلًا إلى المحادثة التوليدية -أو النديم المولد كما أحببت أن أسميه- (ChatGPT) [جمادى الأولى 1444هـ] إلا عن طريق بو (Poe) لتعذر مباشرتها حينئذٍ في بعض البلدان. ثم تسارعت الشركات الكبرى في توفير حلولٍ تضاهي أو تنافس تلك المحادثة. فهل نسينا حديث الشاعر (Bard) [رجب 1444هـ] أو طلعة الجوزاء في جوجل (Gemini) [جمادى الآخرة 1445هـ]؟ وهل غضضنا الطرف عن جولة الطيار المساعد (Copilot) في مايكروسوفت [شعبان 1444هـ]؟ وهل أدركنا مشية الأعرج (Claude) [ولا يخفى أن كلود اسمٌ علمٌ يدل في اللاتينية على العرج] في أنثروبك [شعبان 1444هـ]؟ وهل بقينا نطلب غورًا وعمقًا بعيدًا (DeepSeek) [جمادى الآخرة ورجب 1446هـ]؟ وهل تناولنا قط بغير يدٍ (Manus) [رمضان 1446هـ]؟ وهل استيقنّا بعد إرباكٍ وحيرة (Perplexity) [جمادى الأولى 1444هـ]؟
دهشةٌ أزالها الاعتياد، وتطلّعٌ أذكته الحلول المتطورة، وحديثٌ أطالته قدرة الذكاء على الاستفاضة والإسهاب.
غير أنني ظفرت منه بعد طول العهد بأخبارٍ أعرفها وغرائب أجهلها، وتدليسٍ أنكره، وتخليطٍ لم أعهده، وآراءٍ ما قالها عاقل.
لم أجد في عبارات كثيرٍ من المشتغلين بالذكاء سوى حثٍ مستمرٍ على استعماله مشوبٍ بالتسويق متهمٍ بالترويج يخلو من النقد والتمحيص والرغبة في فهم بواطن الأمور.
فهل يجدي تحسين الأوامر والشركات لا تستريح ساعة من التنافس الشديد في تزيين منتجاتها، وتقريبها إلى المستخدمين، والاستحواذ على السوق؟
وهل يعقل أن نأنس بمقالةٍ كتبتها آلةٌ صماء وحررتها آلةٌ أخرى تنهل معها من موردٍ واحد؟
هيهات هيهات أن ننجو من الذكاء إن كنا لا نفر إلا إليه!
أدمنت السباحة والغوص في ذلك البحر الهائل حتى ألقت بي الأمواج إلى شطٍ ناءٍ عن لجة الذكاء التوليدي. وإليك ما صنعته في ذلك الساحل.
القراءة القراءة!
لئن أعجبتني أوابد الذكاء أول الأمر، فإنني صددت عنها لمّا أدركت أنها ليست آراءً لإنسانٍ يعتنقها، فيحتج بها، ويذب عنها، وينتصر لها بالأدلة والشواهد.
وإنني كلما تفكرت في أمرٍ غريب، وخبر طريف، فتّشت عن رأي الإنسان، فما وجدت في محيط الشبكة إلا مقاطع قصيرة تمتلئ تشويقًا إلى غير مشوق، وتحفيزًا على طول المتابعة وإبداء الإعجاب وشحًا في بث التجربة والمعرفة.
وأما المقالات -وقد صارت متهمة بتخليط الذكاء من بعد عام 1445هـ- فتسويقٌ وترويجٌ، كثيره بلا تفصيل، وقليله بلا إيجاز، ولا تسل عن الأسلوب والمعاني فهي تكاد تخرج من مشكاة واحدة، بلا تجربة شخصية أو رؤية معرفية.
فلذلك رجعت إلى طلب الكتب والمؤلفات، وأدركت أن تبديل الكتب بالصحاب -على رأي شوقي- لا يكفينا من شر الملهيات العديدة التي تغيّبنا عن أصحابنا القلائل، وعن كتبنا التي تحفظ كثيرًا من العلم.
ولقد أغنتني الكتب -ورقيةً ورقميةً- عن طلب الأخبار والحقائق في المحادثة التوليدية. وإن كانت قراءتها لا تخلو من مشقة البحث، واحتمال الكلام الطويل، وانتظار موضع الشاهد بعد صفحات عديدة، وطول التأمل في كلام المؤلف.
ولئن سهل علينا تلقي أجوبة الذكاء مرسلة على عواهنها، فإن صحيحها متهمٌ لمخالطته الباطل السقيم.
محاورة الرجال!
أينكر أحدنا (أو إحدانا) أنه اضطر مرة إلى محادثةٍ يبث فيها شجونه وهمومه إلى خلٍ لا يقرعه ولا يؤنبه ولا يشكك في حديثه بل يتلقاه بصدرٍ رحب ونفس كريمة وعقل وافر؟
يوهمنا الذكاء التوليدي أنه يغنينا عن المحادثة إذ إن جواباته قريبة إلينا، موافقة لما نظنه، مطابقة لأسئلتنا -وإن كانت في غاية الفساد.
وأما محادثة بني آدم فلا تخلو من خلاف واختلاف، وحرجٍ وانكشاف. ولست تأمن أن تبوح لأحدهم بسرٍ فيفشيه، أو رأيٍ فينقم عليك به. لكن أثرها في النفس -حسنًا كان أو سيئًا- ليس كأثر محادثة آلة صماء لا تحس شيئًا، ولا تصدر في قولها عن عقلٍ وافر أو قلب ذي ضميرٍ حي.
وعرض الكتابة على من يحسنها ويحتملها أولى من استيداعها عند برمجياتٍ تحسن التلفيق ولا تنال التوفيق.
فلست أنسى كم سهوت فأخطأت في الإملاء أو خالفت النحو، فنبهني صديقٌ حاذق يقظٌ إليه، وصرت أجتهد في اجتنابه ما حييتُ كاتبًا.
الكتابة في ورق!
لم تكن أجمل ذكرى ظفرت بها من اليابان في مشرق الأرض الأقصى [ربيع الأول 1445هـ] سوى دفترٍ قيدت فيه خواطري وأفكاري لما سئمت الانكباب على هاتفٍ ذكي وانقطاع التواصل مع قومٍ لا أحسن منطقهم، ولا يقبلون على غريبٍ يجول في بلادهم.
اقتنيت بعدها دفاتر عديدة وكتبت فيها ما شاء الله من الخواطر والمذكرات واليوميات في عامين متصلين.
لن أكذب الواقع فالطباعة في الحاسب والهاتف أيسر من اتخاذ قلم حبرٍ أو رصاص وضغطه بين الأصابع، وتسويد الأوراق التي تمزقها إذا لم تكتب فيها كما تحب.
لكنني رقمت كثيرًا في برامج التحرير والكتابة، فلم أستحضر منها وأستذكر كالذي خططته بيميني. ومطالعة القرطاس يجري فيه المداد ويسيل عليه الحبر أحب إلي من مشاهدة ورقة بيضاء رقمية تبصرها العينان ولا تتناولها اليدان.
وأما المحادثات التوليدية الهائلة التي أنفقت فيها أعز ساعاتي وأغلى أيامي فلست أذكر منها شيئًا ذا بال. ولست أبالي إن ضلت عني. فإنني أضن اليوم بمالي ووقتي عن تمرين نماذج الذكاء التوليدي واستيداع خواطري في خوادم مجهولة الحال.
الخلاصة
لست أدعوك إلى الانقطاع في جزيرةٍ لم ترصدها الأقمار الصناعية، ولم يكتشفها البحارة الأوائل. فإننا أبناء آدم من قبل أن يفد إلينا الذكاء التوليدي، وينبغي أن نحافظ على إنسانيتنا وإن تكاثر الذكاء، وتداعى (الناس) إليه.
ولا سبيل إلى ذلك إلا بالقراءة والكتابة واستعمال ما فضل الله به بني آدم على سائر خلقه.
الثلاثاء 17 ذي القعدة 1447 (بحسب الرؤية الشرعية).
