اكتب تاريخًا يتحدى النسيان!
وقفتُ على مقولة عجيبة تكشف عما أجده في نفسي من كل كتابٍ لا يذيله المؤلف أو يقدمه بتاريخ انتهائه منه، وأنقلها لكم من أدب الكُتّاب لأبي بكر الصولي "قيل: الكتاب بغير تاريخ نكرة بلا معرفة".
لا أظن أن كتابة التاريخ تحول بين الكتاب وبقاء ذكره وخلوده بين ما يعاصره من الكتب والمؤلفات. بل إنها تشهد على ذلك العصر وتفيدنا في الاعتبار بالتاريخ وقياس الحاضر على الماضي.
ليس 1984 عامًا ميلاديًا يمر كغيره من الأعوام، هو عنوان رواية من روائع الأدب العالمي المعاصر، كتبها جورج أورويل في عام 1368هـ [1949م]، وسرعان ما حال بينه وبين عامه المنشود 36 سنة لم يتسع أجله ليعيشها ويشهد أحداثها. وقد صار ذلك العام، لارتباطه بالرواية، مرجعًا يتفكّر فيه كل من لاقى في دهره ما لاقاه وينستون بطل الرواية في عصر الأخ الأكبر.
ولئن تحيّر وينستون في تاريخ كتابة رسائله (إلى المستقبل أو إلى الماضي)، فإننا نشاركه الحيرة وينتابنا الشك العظيم في كتبٍ يهمل مؤلفوها التواريخ نسيانًا أو اعتمادًا على التاريخ الذي يذكره الناشر أو يهمله في طبعة الكتاب.
تاريخٌ لا يغني عن تاريخ المؤلف في مقدمته أو خاتمته. فكم تأخر زمن نشر الكتاب عن زمن الانتهاء من تأليفه. وكم صارت الطبعة الجديدة تاريخًا موهمًا لكتابٍ اندثرت طبعته الأولى وانقرضت من الأسواق.
إليك ثلاث فوائد أفدتها من مطالعة تواريخ المؤلفين، وأثرها في تتبع أحوالهم، ورصد أطوار أفكارهم.
الأولى: مولدٌ محير!
لم يكتب محمد إقبال سيرة ذاتية مستقلة لكنه أوجزها في مطلع رسالته عن الفكر الفلسفي في بلاد فارس. وفيها أنه وُلد (في الثالث من ذي القعدة من عام 1294 للهجرة الموافق عام 1876 للميلاد).
نصٌ فريدٌ لم يحسم نزاع المشتغلين بسيرته في تعيين التاريخ الميلادي، والتوفيق بين ما ذكره إقبال من تاريخ هجري مفصل وتاريخ ميلادي مجمل والوثائق الأصلية في عصره.
الثانية: تحولٌ فكريٌ خفي!
أرّخ شاعر اليمن عبدالله البردوني مولده في عام 1348هـ، وكان يؤرخ قصائده بالتاريخ الهجري في ديواني (من أرض بلقيس) و(في أرض الفجر) حتى انقطع التاريخ -بلا سببٍ ظاهر- في الثمانينات الهجرية لما وقعت ثورة مشهورة أُرِّخت بالتاريخ الميلادي وتغنى بها البردوني كثيرًا.
الثالثة: تأليفٌ لا ينقطع!
اشتغل الدكتور فريد الأنصاري أول عمره بنظم القصائد وتأريخها هجريًا في عام 1404 كما هو مثبتٌ في (ديوان القصائد). ولم يدع عادة التأريخ في كتبه الفكرية والشرعية. فكان لا يخلي مقدماتها أو خواتيمها من التاريخ حتى توفاه الله في عام 1430هـ.
بل إن فريدًا الأنصاري ذو توقيع فريدٍ يشبه طريقة المتقدمين في تأريخ كتبهم. إذ يقول: "وكتبه راجي عفو ربه وغفرانه الفقير إلى رحمته ورضوانه فريد بن الحسن الأنصاري الخزرجي السجلماسي غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين...". وقد يقول بعدها: "وكان الفراغ منه بالمحمدية سحر يوم الخميس 17 ربيع الثاني 1413هـ..." [أبجديات البحث في العلوم الشرعية]، أو يقول: "وقد وافق تمام تبييضه وتصحيحه بمكناسة الزيتون من حواضر المغرب الأقصى ليلة الجمعة 24 من شهر رمضان المعظم لعام 1423هـ..." [سيماء المرأة في الإسلام] أو يقول: "وكان تمام تصنيفه وتحقيقه بحمد الله الأحد 21 من ربيع الثاني 1424هـ..." [ميثاق العهد]، أو يقول: "وكان توقيع ختمه بمدينة استنبول حي الفاتح مساء يوم الأحد من شهر جمادى الأولى 1424هـ..." [مفاتح النور].
ولئن بقيت دار السلام تجدد نشر كتب الأنصاري، فإن تواريخه التي أثبتها بنفسه -في عامة كتبه- تشهد على مواظبته في الكتابة والتأليف في مختلف البقاع والأزمان.
مؤلفون أثبتوا التواريخ فأفادونا فوائد عديدة في معرفة سيرهم الذاتية، وتتبع رحلتهم في ميادين الفكر والأدب. وآخرون أهملوا ذكر التاريخ فتعذرت معرفة سياق الكلام وتاريخه والأحوال التي قيل فيها. ولهذا موضعٌ آخر نبسط فيه الحديث إن شاء الله.
ويتأكد إثبات التاريخ في المنشورات الرقمية إذ إن بعض منصات التواصل الاجتماعي تزيل تواريخ المنشورات وأوقاتها. فلا يقف المتتبع فيها إلا على (شهورٍ مضت) و(أعوامٍ) خلت!
أخي الكاتب إن التاريخ الذي تثبته فيما تكتبه يفيدك قبل أن يفيد غيرك في تتبع أطوارك الفكرية، ومعرفة أحوالك الكتابية، وإدراك تفاعل الكتابة مع معارفك التي تزداد أو تقل مع مرور السنين.
لا تهمل كتابة التاريخ، فكل تاريخٍ تكتبه يتحدى النسيان! الثلاثاء 10 ذي القعدة -وفقًا للرؤية الشرعية- 1447.