لطالما تخيّلت الكتابة على هيئة مسارات افتراضية تخرج من رأسي بأبعاد متوازية، لها صوت كصوت أزيز أجهزة طبيب الأسنان، لا تهدأ حتى تُصبَّ وتُملأ بلغة عذبة، وخيال متوقّد، وأفق واسع، وحبكات محكمة، وحفر في حشوة الذات.
شبّه الشاعر نيكوس كازانتزاكيس، في كتابه "ترحال"، الكتابة بالنمرة؛ مرة يغلبها، وكثيرًا ما تغلبه. بينما أراها أحيانًا كمدارات أسبح بها، وأدورُ في فلك يحتاج إلى نُظُم مُحكمة، عنوانها الدقة والحذر والنسج والخيال، تُعبَّدُ بدماء المُبدع.
قد تكون الكتابة متعبة في كثير من الأحيان لكثير من الناس، ولكن هناك من يُداوي نفسه بها، وهناك من تجعل لحياته ملاذًا ومعنى. الكتابة هي الصدق والدقة والحذر والإتقان.
في الكتابة يكون الكاتب في مواجهة ذاته ولا يشعر أنه لوحده فحسب! بل يشعر أنه يحمل عبئًا إنسانيًا صادقًا ينثر عبر صفحات تعيش طويلًا أكثر من عمر كاتبها، فالكتابة الصادقة تكون خالدة، ولو في وجدان قارئها على أقل تقدير.
في الكتابة الإبداعية يضع الكاتب نصب عينيه الخيال والتجربة وقراءاته، والأهم من ذلك وجوده الإنساني، فلا يمكن للكاتب أن يكتب وهو عديم الشعور والحسّ، فالحس هو المحرّك الأول للكتابة. إن الكاتب يكتب ما حوله بشكل أو بآخر، فإن تسلّح الكاتب بأدوات عصره خلق نصّ قد يؤخذ مدخلًا أو مادة لدراسة أشياء كثيرة أهمها بيئة الكاتب الإبداعية وسمات ما حوله ومَن هم حوله.
إن تعلّم فن الكتابة لا يتأتى دون انكباب على روائع التراث العربي من نثر أو شعر؛ فالعربية تزيد المرء بلاغة وفصاحة وكذلك تزيد مروءته، كما إن قراءة تراث أمم أخرى يخلق لدى الكاتب مزيجًا من الخلفيات الثقافية العديدة التي تمنح قلمه دقّة ومعرفة وتوسّعًا واستحضارًا، مع الأخذ بالاعتبار الانطلاق من قاعدة تراثية عربية قوية، وكثيرًا ما تنعكس الكتابة على حياة المرء بالانضباطية واقتناص المعاني من الحياة في كلمات وسطور.
لا أرى نفسي سوى قارئًا نهمًا كلما قرأ الكثير من الكتب وأخذ منه العمر الأيام والسنون ودارت به الدنيا دورتها احتاج للكتابة، فالقارئ الذي بداخلي هو قارئ فطريّ وغريزيّ إن صح التعبير، أمّا الكاتب فقد تشكّل بفعل محاولة تغيير شيء بداخلي على الأقل أو إحسان ترتيبه.
ولهذا، لا يمكن للذكاء الصناعي أن يحلّ محل الكاتب أو أن يُميت الكاتب كما يُدّعى، بها فالمتلقّي يشعر بالكتابة الإنسانية، وأن هناك إنسان وعقل ووجدان إنساني خلف تلك السطور، والقارئ الجيّد بمقدوره ملاحظة الحس المُفتعل في الكتابة فضًلا عن ملاحظة الحس "الذكالي" في كتابة الكثير. الكتابة ابنة الإنسان لا ابنة الآلة.
قد يغيب الكتّاب عن الكتابة لأن ليس لديهم ما يكتبونه ولكنها حتمًا لا تغيب عنهم. وبطبيعة الحال فإن هذا الصمت الكتابي يعود بشكل أقوى محمّلًا أفكارًا كثيرة وكلمات متبعثرة تنتظر الفرصة لكي تترتّب مشكلةً جملًا وأفكار، وكثير من الكتّاب يشعر أنه سينفجر إن لم يكتب.
في الكتابة لا طائل أن تنظر للعالم الخارجي ثم لنفسك، بل على العكس تمامًا، أن تستمع للعالم الخارجي من خلال نفسك، أن تعي عالمك الداخلي وتصغي إليه وتستمع لكل ما يقول.
أن تكتب يعني أن تصغي لنفسك وللعالم وللأشياء حولك، هناك من يقول أشياء كثيرة تحتاج من يكتبها، وثمّة أشياء حولنا تقول الكثير وتحتاج من يستمع إليها، ومن يشاطرها الجمل الناقصة التي تحتاج إلى إكمال.
قد يكون هذا النصّ تأثّر، بشكل أو بآخر، بجهاز "كونترا" طبيبِ الأسنان، وقد يكون قلمه الذي يُعبّر عن وجوده، وقد لا يكون، لا أعلم. ما أعلمه أن الكتابة تعيش بخلدي بمعانٍ مختلفة.
----
*كُتب هذا النصّ في البياض الطاغي في عيادة طبيب الأسنان حيث صوت أزيز الكونترا، وانتقل إلى ملاحظات الهاتف الكثيرة فمن بياض إلى بياض.
