لسنا نشك في أن العربية بحرٌ (في أحشائه الدر كامنٌ) وليس حتمًا أن يظفر بالدر كلُّ من خاض غمار البحر، وغاص في أعماقه. وقد ينال الصيَّاد بغيته في نهرٍ صغير مغمور، ويضيع مقصوده في بحرٍ غامر يتقاتل عليه الناس أجمعون!
(اللغة الإفرنسية تلك اللغة التي أصبحت اليوم لغة الإنسان الحي، تلك اللغة الغنية بموادها، الفياضة بمعانيها وألفاظها، اللغة الحية النامية التي هي الوسيلة الأولى إلى راحة الإنسان ورفاهيته وتمدنه ومعيشته أنى ذهب. لغة التجارة لغة العلم لغة السياسة لغة الأدب لغة الاختراع…)، كلمةٌ قالها الأديب السعودي محمد حسن عواد [ت 1400هـ] في كتابه خواطر مصرَّحة [1345هـ].
وهو القائل أيضًا: (لا يوجد اليوم ناطق بالضاد -ولا بالإكس حتى- ينكر هذا الواجب الحيوي على الشرقيين عمومًا والعرب خصوصًا، واجب الإحاطة والإلمام باللغات الإفرنجية التي أصبحت اليوم رسمية لسبعة أثمان الكرة الأرضية).
فلنبحث الآن في ثلاثة بواعث للكتابة بالفرنسية، ولنقتصر على ثلاثة كتّابٍ من جزيرة العرب؛ حيثُ لم يكن لفرنسا وجود عسكري ولا تأثير ثقافي يوازي تأثيرها في مناطق مختلفة من العالم العربي والإسلامي.
الباعث الأول: التعبير عن الذات.
فلنعد بالزمان إلى ذي الحجة من عام 1420هـ، ولننتقل إلى باريس حيث نشرت دار جاليمار (Gallimard) رواية الحزام (La ceinture) لأحمد أبو دهمان [ت 1447هـ] الأديب سعودي الذي حلَّ بباريس في عام 1399هـ طالبًا للدراسات العليا ثم صحفيًا وكاتبًا.
تعرفت إلى الرواية قبل أيامٍ من وفاة مؤلفها، ثم اشتد عزمي على مطالعة ما تيسر منها لبحث أثر الفرنسية في الأدب العربي المعاصر والأدب السعودي على وجه الخصوص.
لم ألبث حتى اهتديت إلى دراستين فرنسيتين عن الرواية[1] وفيهما كشفٌ عن اختلاف نسختها العربية عن أصلها الفرنسي، وتعقبٌ لدعوى المؤلف (بأنه أول كاتبٍ بالفرنسية من جزيرة العرب)، فإنه مسبوقٌ بحبيب عبدالرب سروري الروائي اليمني الذي نشر باكورة أعماله الروائية باللغة الفرنسية (La reine étripée) في محرم من عام 1419هـ.
اطلعت بعدئذٍ على المقدمة التي كتبها أبو دهمان بالفرنسية، وألخص لكم هنا طرفًا مما لن نقرأه في النسخة العربية. إن أحمد أبو دهمان قد اختار إكمال الدراسة خارج البلاد، ففضّل فرنسا على سائر البلدان، واحتفى بباريس وفرنسا وكتّابها: إيلوار (Éluard) وأراجون (Aragon) وبريفير (Prévert). لقد رأى أبو دهمان في باريس بلاده وقريته حيث لا يعدُّ فيها إلا شاعرًا، فكتب عنهما بالفرنسية. إنه يرى الكتابة مشاركةً واختراعًا جديدًا للدنيا. شعورٌ ومعانٍ لم يعبر عنها بلسانٍ العرب بل بلسان موليير!
فأي اللسانين يعبر بصدقٍ عن المؤلف؟ أحدهما أم كلاهما؟
الباعث الثاني: العودة إلى العربية!
أتتصور أن يتجدد الشغف ويعود صاحب الأربعين إلى هوايته الأولى؟
إنها حكاية حبيب عبدالرب سروري الذي استغرق شبابه في دراسة الرياضيات والهندسة حتى استقر به المقام في فرنسا عام 1396هـ، واشتغل بالبحث والتدريس 16 عامًا [1397هـ إلى 1413هـ]. لكن عزلته الأكاديمية انقطعت أو تلاشت تقريبًا في عامها السادس لما أراد أن يبذل ثلث وقته في الأدب، ويجدد صلته بروايةٍ يسوِّدها ويجدد بها رواية ماضيه. وقد شرع في كتابة (الملكة المغدورة) (La reine étripée) بالفرنسية لنسيانه العربية[2]، وما زال يشتغل بها حتى نشرت في محرم من عام 1419هـ.
انبعثت الحياة في قلم حبيب سروري بعد تلك الرواية، فأصدر رواياته التالية باللغة العربية. بل ترجم بعضها إلى الفرنسية.
إن الكتابة بالفرنسية لم تُزل رغبته في الكتابة بالعربية، بل عززتها وأطلقتها من القيود التي كبلتها لطول الإهمال وكثرة الاشتغال بغيرها.
الباعث الثالث: مخاطبة الآخر!
ما زالت الدكتورة ندى برنجي مثالًا حيًا على إمكان التعمق في اللغات الأخرى، والإفادة منها بالتأثير في أهلها. فالمشهور أنها أول سعودية تخصصت أكاديميًا في اللغة الفرنسية وبلغت فيها الدراسات العليا والدكتوراه، وأنالتها الدولة الفرنسية وسام السعفة الأكاديمية برتبة فارس[3].
وقد كتبت بالفرنسية دراسة عن أثر الحياة الفكرية على نشأة الأدب السعودي. ولها كذلك ديوان شعر بالفرنسية عنوانه (Joyaux d’Arabie) أي جواهر السعودية. وتدور قصائدها على الذب عن الدين والوطن، وبيان فضائله، والدفاع عن المرأة المسلمة.
ويحضرني في هذا المقام كتاب الدكتور محمد عبدالله دراز [ت 1375هـ] دستور الأخلاق في القرآن (La morale du Coran)، وأصله رسالة دكتوراه تقدم بها إلى السوربون في عام 1366هـ
الخاتمة
لم يعقني تعلم الإنجليزية أو الفرنسية عن الاجتهاد في تحسين العربية، والكتابة بها، فهي لسان قومي واللغة التي تعلمتها من المهد. وأحسب أن الازدياد في اللغات يوسع المدارك، ويحملنا على محبة العربية. بل يفيدها باستيراد ما ينقص متحدثيها من علوم ومعارف.
والكتابة بغير العربية تنقل ثقافتها ومعارفها إلى من لا ينطق بها. والتجربة الإنسانية متنوعة بقدر تنوع البشر واختلافهم في الألوان والأعراق والألسنة.
ولئن قال الأول: (والله لأن أهجى بالعربية أحب إلي من أن أمدح بالفارسية)، فإنه لم يدرك فضل العربية على الفارسية لو لم يكن يحسنهما معًا.
والإنسان يحب المديح بكل اللغات والألسنة!
الثلاثاء 24 ذي القعدة 1447 بحسب الرؤية الشرعية
[1] الدراسة الأولى بعنوان (La ceinture / Alhizam l’autotraduction à l’épreuve du collectif ) من إعداد (Bashair Alibrhaim) و(Sathya Rao) في عام 1438هـ
والدراسة الثانية بعنوان (La Ceinture d’Ahmed Abodehman : réincarner l’âme des lieux dans un texte-village) من إعداد (Ghifar Alomary) في الثامن عشر من محرم من عام 1441هـ.
[2] من دراسة (La Reine Étripée, le premier roman yéménite en français entre la littérature francophone et une littérature-monde en français) من إعداد (Amina Shamlan) في ربيع الآخر من هذا العام 1447هـ.
[3] من مقال (د. ندى برنجي: أعيدوا الفرنسية إلى المناهج فنشأة أدبنا مرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا) من صحيفة المدينة في الثامن والعشرين من محرم من عام 1434هـ.
