
شاعرٌ تهزمه الساعة البيولوجية
يقرّ إميل سيوران (E.M Cioran) في كتابه "على مرتفعات اليأس" (On the Heights of Despair) بأن النوم مرتبط بالصحة الجيدة والقدرة على عيش حياة مستقرة، لكنه يرى في ذلك سطحية مريحة تليق بمن لم يُبتلَ بوعيٍ حادّ؛ فالإنسان أو الحيوان الذي يتمتع براحة النوم لا يخوض صراع البقاء ولا يشعر بقيمة المحاولة، أما الأرق، فهو عمقٌ جريح، لحظة يُدرك فيها الكائن رغبته في العيش، لا بوصفها امتيازًا طبيعيًا، بل بوصفها صراعًا يوميًا مع الألم والحزن واليأس، وكأن النوم المبكر، في نظره؛ خيانة خفية للشاعرية، ومراوغة للوجود، وتنصل من المحاولة الحقيقية لأن تكون حيًّا.
على النقيض من ذلك، فإن ميشيل دي مونتن (M.D Montaigne) يرى أن النوم العميق ليس علامة على الهروب، بل مدخل إلى السكينة، وتجسيد لنزعة أصيلة نحو البقاء والتأمل الهادئ في الحياة.
وبمزيد من السياقات الفلسفية حول النوم واليقظة، يرى الشاعر نفسه باحثًا عما يدعم قدرته على الإبداع، والتأمل؛ نافرًا من جميع صور التقييد للأفكار والقدرة على البحث عنها.
سؤال الحياة الروتينية المعاصرة، سؤال مقلق في سياق الحديث عن الفن والكتابة والإبداع، دائمًا ما يشعر الشاعر برغبته المستمرة في التفرّغ لما يريد أن يقوم به الآن، وقد يكون الذي يقوم به اليوم مخالف لما يريد أن يقوم به غدًا؛ لأن الصورة الشعرية ليست ذاتًا واحدة، بل خيالات حُرّة تحتاج إلى مزيد من التفوّق الوجودي على مهام الحياة الأخرى.
يرى بعضهم، أن الحديث عن رغبة الشاعر الملحّة في التمرّد على الروتين الاجتماعي هي رغبة ليس لها أساس حقيقي مستدلًّا بحياة عدد من المبدعين "الناجحين" على المستوى الاجتماعي، والذين استطاعوا التعايش مع القيود الاجتماعية بشكل منضبط مع قدرتهم على الإبداع الفني.
يسحبنا هذا الطرح إلى طاولة نقاش مهمة تبحث مدى سطحية الحديث عن صورة واحدة للشاعر، أو مدى دقة مصطلح "النجاح"، أو "الانضباط" في سياق الحديث عن الحياة الخاصة للفنانين والمبدعين على مستوى العالم.
وبعيدًا عن الخوض في تلك المناقشات، يبدو أن النوم عاملٌ مهم في تشكيل قدرة الإنسان على العيش عمومًا، وقدرته على الإبداع على وجه الخصوص؛ يرجع ذلك إلى أن النوم في كل الأحوال يشكّل حجر الزاوية في تصميم الجدول اليومي للإنسان، ويمكن لبوصلة الإنسان أن تتعطّل تمامًا إذا كانت حياة الإنسان الاجتماعية والمهنية هي من تحدد علاقته بالنوم، وهذا هو المأزق الذي يحاول سيوران أن يحلله في تمجيده للأرق.
المشكلة الأساس في العلاقة المنضبطة مع النوم، هو أن الانضباط مفروض على الفرد وليس ترفًا اختياريًا، وأكثر ما يثير السخرية هو أن الشاعر قد يتنبّه لمساوئ هذا الانضباط بعد فترة طويلة جدًا قد يفقد من خلالها قدرته على التصوير الشعري للأفكار، وقدرته على التفكير بعمق، أو على ما هو أخطر من ذلك، وهو قدرته على الكتابة!
الحياة المعاصرة اجتماعيًا ومهنيًا وصحيًا، فرضت مزيدًا من القيود المعقّدة على الإنسان وجعلته يتأرجح في رغبته الملحّة حول "ما يريد" دون أن يكون لديه قدرة على تجاهل "ما يُفرض عليه" من قيود على تلك الرغبات، وأكثر ما تنال الحياة المعاصرة من الشاعر، كونها لا تستطيع تصوّر رغبته الملحّة في الهرب إلى حياته المختلفة في عالم الخيال والشاعرية المستقل!
ويمكن أيضًا أن تكون المشكلة ليست في الانضباط المفروض على النوم فحسب، بل في الانضباط المفروض عمومًا، يرى فريدريك نيتشه (F. Nietzsche) أن النظام الزمني المفروض يسلب حرية الإنسان مهما كان بعيدًا عن محاولة تجسيد ضبط الزمن في النوم على وجه الخصوص، ويرى هنري ديفيد ثورو (H.D Thoreau) أن الاستيقاظ الحقيقي هو ما يتوافق مع ضوء الأفكار والخيالات ولو كان ذلك يتعارض مع الانضباط الزمني الدقيق في الحياة الاجتماعية.
تعيدنا هذه المعاني إلى التمييز الذي أثاره مارتن هيدقر (M. Heidegger) بشأن الزمن البيولوجي والزمن الوجودي، وأن الزمن الوجودي في حقيقته لا يشكل انفصالًا بيولوجيًا بين الماضي والحاضر والمستقبل، فما مضى مرتبط بما هو قائم وما سيكون في المستقبل ارتباطًا وجوديًا يشكل القلق الوجودي الدائم في حياة الإنسان.
قد يؤخذ من ذلك أن صراع الشاعر مع ساعته البيولوجية هي في امتصاصها للحقيقة الوجودية بتشكّل التراتب الزمني لليوم والليلة، يصبح الشاعر وسط دوامة من الأعمال التي يجب أن تنتهي للانتقال لما بعدها في ماديّة حادّة تسلبه حقه من الشعور بالزمن الوجودي الذي يرتبط ارتباطًا دقيقًا بقلقه الداخلي وخيالاته.
فالإنسان على رأي هيدقر يعيش دائمًا في "ما لم يتحقق بعد"، وهذا هو القلق الوجودي وهو جوهر الزمن. وهذا ما قد يختنق به الشاعر حين يُطلب منه الالتزام بلحظة حاضرة لا تشبه مستقبله المحتمل.
في سياق آخر، قد يفتقد الشاعر قدرته على الحلم المتوافق مع قلقه الوجودي في ظل انغماس كلّي في لحظات راهنة تتوجّس من مخالفة الانضباط البيولوجي للحياة المادية، وتراتبها الزمني، وهو جوهر ما ذهب إليه كارل يونغ (C. Jung) من حاجة الإنسان للانسلاخ من الوعي الحاضر والانغماس في اللاوعي الجمعي؛ لخلق شخصية حالمة قادرة على إنتاج مزيد من الأحلام والرؤى والخيالات.
الساعة البيولوجية الدقيقة للشاعر قد تجعله أكثر تماهيًا مع كونه شخصًا اجتماعيًا واعيًا للظروف الاجتماعية والمهنية الراهنة، قلقًا من خسارة الحاضر باعتباره زمنًا بيولوجيًا دقيقًا، غير قادرٍ على خلع أقنعة الوعي المادية واستبدالها باللاوعي الحالم الذي يشكّل الصورة الوجودية الشاعرة للزمن والأفكار.
على المستوى الشخصي، ألحظ في إجابات كثير من المبدعين حينما يُسألون عن سبب ضعف إنتاجهم الأدبي، أن إجابات كثير منهم تتجه نحو الحديث عن أثر الحياة المهنية، ووجود ضغوطات ذات أهمية أكبر، وأعتقد أن ذلك أعظم خطر حقيقي يواجه الشاعر/الفنان، ليس لأنه يهتم لحياته المهنية والاجتماعية، ولكن لأنه يفتقد الشعور بما كان يعبّر عنه سابقًا مع النظر إلى تلك المشاعر والأفكار والصور الشعرية بأنها أصبحت في مرتبة أقل عن غيرها [الحب، الرغبة، القلق، السؤال، الحيرة، الشك، التفكير،...]، هذا يعني أن الوعي الجمعي استغرق اللاوعي الجمعي لديه، وذلك يقود إلى فقدان الصورة الشاعرة، والخيال، والإبداع، والقلق الوجودي.
قد يكون المؤدى من كل ما سبق، أن انهزام الشاعر أمام ساعته البيولوجية انهيار مخيف لمنظومته الإبداعية!
ولعل ما هو أقسى من ذلك، ليس أن الشاعر قد لا يستطيع أن يكتب فحسب، بل أنه حين يستطيع سيشعر أن ما يكتبه الآن لا يشبه إطلاقًا ما كان سيكتبه لو عاش في زمنه الذي يشبهه فعلًا.