وهم الاستعداد للكتابة
اتسع حضور ورش الكتابة وبرامجها ومنصاتها بصورة لافتة في السنوات الأخيرة، وأتيح للكاتب عشرات الفرص ليتعلم تقنيات السرد، ويطوّر لغته، ويكتسب أدوات تساعده على بناء نصوص أكثر نضجًا. من حيث المبدأ، هذا اتساع محمود؛ فالمعرفة بالكتابة لم تعد حكرًا على قلة، والتدريب صار متاحًا لمن يريد أن يصقل موهبته ويختصر طريقه. ومع هذا الاتساع، بدأت ألاحظ بعض الآثار الجانبية التي لا يلتفت إليه كثيرون، أثر لا يتعلق بجودة البرامج نفسها، وإنما بطريقة تعامل بعض الكتّاب معها.
في إحدى الاستشارات الكتابية مؤخرًا، أبلغتني الكاتبة أنها لسنوات لم تستطع إصدار كتابها الأول، رغم حضورها العديد من البرامج والورش عن الكتابة، تخبرني عناوين الدورات وأسماء المدربين المشاهير وهي فخورة باستفادتها منهم. حينها اتضح لي السبب وأبلغتها به: لقد قضيت الكثير من الوقت في الاستعداد للفعل بدل الفعل نفسه.
تحولت الأزمة من نقص التدريب، إلى الإغراق فيه، وبدلًا من مشكلة قلة المعرفة، أصبحنا نعاني من تراكمها.
هناك لحظة دقيقة يتحول فيها التعلم من وسيلة مساعدة إلى ملاذ آمن، ومن خطوة تمهيدية إلى بديل خفي عن الفعل نفسه. يبدأ الكاتب بإقناع نفسه أنه لم يحن الوقت بعد، وأنه يحتاج إلى ورشة إضافية، أو دورة أخرى، أو كتاب جديد يقرأه قبل أن يكتب. ومع كل دورة جديدة، يتأجل القرار الأصعب، وهو الجلوس أمام الصفحة البيضاء والبدء.
هذا ما يمكن تسميته وهم الاستعداد؛ أن يعيش الكاتب في حالة دائمة من التهيؤ، دون أن ينتقل إلى التنفيذ. وهو وهم مريح نفسيًا؛ لأنه يمنح شعورًا بالإنجاز دون مخاطرة حقيقية. فحضور ورشة لا يحمل القلق ذاته الذي يحمله نشر نص، وقراءة كتاب عن الكتابة أسهل من كتابة فصل كامل.
المفارقة أن كثيرًا من برامج الكتابة صُممت أساسًا لتقريب الكاتب من الفعل، لا لإبعاده عنه. هي أدوات، ووسائل وليست بدائل ولا وجهة نهائية، والكاتب الذي يظل ينتقل من برنامج إلى آخر دون أن يحدد موعدًا حقيقيًا للإنجاز، يشبه من يجمع أدوات البناء لسنوات دون أن يضع حجرًا واحدًا في الأرض. بمرور الوقت، تتكدس الأدوات، ويتراجع الحماس، ويبدأ الشك في القدرة.
تنمو الكتابة على الطاولة، في عزلة النص، وفي التزام يومي لا يراه أحد. تمنح الدورات التدريبية الاتجاه، لكن النص لا يولد إلا بالانضباط. تفتح الكتب الأفق، لكن الصفحات لا تُملأ إلا بالجلوس المتكرر أمامها. ولذلك الغاية ليست ترك البرامج، أو ذم الدورات الكتابية والتقليل من شأنها، كما يفعل الكثير، وإنما إنزالها منزلتها، ووضعها في موضعها الصحيح، وهو أن تكون معينًا للكتابة، لا بديلاً عنها.