تخطّي إلى المحتوى الرئيسي
كرسي

كرسي

نوال الصقر
٢١ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ

 

في بيتنا مجلسٌ أخضر، فيه كرسيٌّ أسود يكبرني عشرات المرّات، له أزرارُ تحكّم؛ أضغط عليها فإذا به يلتفّ بي، في صمتٍ يشبه الدهشة، مع كلِّ لفةٍ يدور بها يمرُّ بذهني كلامُ طبيب والدي: "إنّ الكتابة تشفي الأرواح وتُصفّي الفؤاد".

كتبتُ على دفتري الأزرق عباراتٍ متشابكة، ومعانٍ لا وصف لها، وكلماتٍ مبعثرة كطفولتي التي تبعثرت منذ أن بدأت أفهم معنى الكتابة. كتبتُ كلماتٍ تكبر عمري: عداء، اعتداء، عنف، ضرب، وسكينٌ يسنُّ حدَّه على قلبي الذي لم يُكمل الثالثة عشرة من عمره. حينها عرفتُ أن الكتابة ليست حروفًا فقط، هي شعورٌ يكتب نفسه حتى يكتمل النص.

بعد هذا المشهد بأسبوع، ذهبتُ إلى المدرسة بدفتري الأزرق، وبدأتُ أكشف سرّي بأني أكتب. فإذا بعلامات الدهشة تظهر في عيون صديقاتي: كيف لي أن أكتب كلماتٍ بالفصحى؟ ومن علّمني إيّاها؟ لكنني تركتهنّ بلا أجوبة، وذهبتُ إلى معلمتي، معلمة اللغة العربية، تقرأ لي، فإذا بها تسألني إن كنتُ أتألم من شيءٍ ما؟ صمتُّ حينها؛ كنتُ طفلةً لا قدرة لي على التمييز بين الألم والوجع والشفاء.

ما زلتُ أكتب، وكبرتُ أنا، وكبرَ الحرف معي، واتّسع مخزوني اللغوي. تخرّجتُ من المدرسة، وأنهيتُ سنوات الجامعة، وأصبحتُ أعمل، ولا تزال الكتابة، منذ أعوامٍ طويلة، ظلّي الذي كبر معي.

كتبتُ عن الممحاة التي لا تزيل الحبر، وعن القلم الذي إذا انكسر لا تصلحه المبراة، وعن دفاتري التي إن ضاعت فلن يستبدلها الورق الإلكتروني، وعن كرسيِّ مجلس بيتنا الأخضر الذي عُرض في سوق الحراج، تاركًا وراءه ذكرى ميلاد كتابتي، فصارت كلُّ الكراسي من بعده تضيق بي.

وكتبتُ عن طبيب والدي الذي بلغ الستين من عمره، ولم يعد يتذكّر نصائحه العلمية؛ لأن الزهايمر حلَّ ضيفًا على دماغه. أمّا معلمتي، معلمة اللغة العربية، فعندما أردتُ أن أكتب عنها، ابتلّت المناديل على خدّي؛ لأنني كبرتُ، وما زلتُ عاجزةً عن الإجابة عن سؤالها القديم.

إنّ الكتابة رحلةٌ ما زلتُ ألتفُّ بها، تتحكّم بي حروفها، وتُعطب لساني أحيانًا، وتُبلّل خدّي أحيانًا أخرى، لكنها تشفي روحي بالأمل.

الكتابة لها معدةٌ تجوع، فتقتات على القراءة، ولها صوتٌ تنطقه البلاغة.

الكتابة أرواحٌ عديدة تتشكّل في هيئة مهن؛ فقد يكون الطبيب كاتبًا تؤرّقه أوجاع مرضاه فيكتب، وكابتن الطائرة تُرهقه التنقّلات الجوية فيكتب، وخيّاط الحيّ تؤلمه وخزات الإبر فيكتب، والمعلّم تزعجه درجات تلاميذه المنخفضة فيكتب عن نجاحهم

أمّا الكاتب، فكلّما ظنّ أنّ حرفه قد نفد، اكتشف أنّ في جوفه نصًّا جديدًا لم يُكتب بعد..